العودة   منتدى شبكة الصوفية > ساحة التجليات الصوفية > رواق الواردات واﻹلهامات الصوفية


شرح حكمة صوفية لسيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه.

رواق الواردات واﻹلهامات الصوفية


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم شاهدة المشاركات المشاركة التالية
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-18-2015, 07:07 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو

إحصائية العضو





 

البدوي غير متواجد حالياً

 


المنتدى : رواق الواردات واﻹلهامات الصوفية
افتراضي شرح حكمة صوفية لسيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه.



شرح حكمة صوفية لسيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه.
صورة ‏مصطفى امام ابو هدية‏.
مصطفى امام ابو هدية‏الجروب العام للطريقة الجعفرية الاحمدية المحمدية
شرح حكمة صوفية لسيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه

قال سيدي على وفا : (من وجدك فما فاته شئ ، من فقدك فقد فاته كل شئ جهلت نفس لم ترك عليها رقيبا ، وخسرت تجارة رجل لم ينل من حبك نصيبا متى غبت حتى تحتاج إلى دليل وأنت حسبي ونعم الوكيل)

قلت بفضل الله الملك القدوس في معنى كلام سيدي على وفا بالنفس الإدريسي : من شاهدك بقلبه غاية مشاهدتك فما فاته شئ من نعيم الدنيا والآخرة ولذلك يقول سيدي الشفا الإمام أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه (وارزقني غاية مشاهدتك) وغاية المشاهدة باعتبارات وقد تكون باعتبار مظاهر الأسماء الحسنى ولابد للمريد من ذكرها ، قد أدخلها شيخنا في أوراد طريقه وجعل لها دعوة منها هذه الجملة (وغاية مشاهدتك) وكان ابنه سيدي عبد العالي رضي الله تعالى عنه يواظب على ذكر الأسماء الحسنى عقب صلاة المغرب مع جماعة ، ثم يدعو بعدها بدعاء والده الذي أوله : (اللهم يأمن من هو هكذا)

وللمشاهدة أسرار عجيبة . وأحوال غريبة ، وكلمات فوق سماء الأحلام ، هي لأربابها الشهد والمدامة إذا سمعوها ذكرتهم ، وإذا فكروا فيها أبكتهم ، ليلها كنهارها ، وذكر المهيمن شعارها ، والروح منغمسة في أنهارها ، محاطة بأنوارها ، أنشدنا شيخنا يوسف الدجوري رحمه الله في الدرس :

إذا لم أحج البيت مذ شط ربعه حججت إلى من لا يغيب عن السر

ومن رام نفرا بعد حج فإنني مقيم على نسكي حياتي بلا نفر

قلت : يقول هذا الصوفي إذا لم أحج البيت مذ بعد ، شاهدت الله بقلبي ، وإذا الحجاج رجعوا بعد حجهم إلا بلادهم فإني مقيم على مشاهدتي لربي مدة حياتي كلها من غير مفارقة لتلك الحالة ، وهي المشاهدة الإلهية ، ولذلك يقول شاعرهم لما وقف بمشعرهم وشعر بمشاعرهم ، وذاق من كئوس معارفهم على طور تجليات ينوبع عيون حكمهم في معرفة عرفات معارف عوارف شموس أرواح تنزلات فيوضات نفحاتهم

جمالك في عيني وذكرك في فمي وحبك في قلبي فاين تغيب

أي جمال مبدعاتك لأن الله سبحانه وتعالى لا جمال له يرى بالبصر في الدنيا

إذا ما رأيت الله في الكل فاعلا رأيت جميع العالمين ملاحا

فالمرئي هي ملاحة العالم وحسنه بإضافته لفاعله ، قال ابن عطاء الله رحمه الله تعالى (إنما اعتزال الزهاد والعباد الخلق لفقد الحق فيهم ، ولو شاهدوه فيهم ما اعتزلوهم) وقوله هذا على سبيل المعية لاستحالة الظرفية كقوله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) أي وأنت معهم

وقال سيدي ابن الفارض رضي الله تعالى عنه :

ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا قضيت بردتي

وليس الردة هنا الكفر ولكن هي التخلي عن الحب والعشق الإلهي وهو عندهم كالمحال كما قال رحمة الله تعالى : (لو تخليت عنه ما خلاكا)

وقد أنشدنا الشيخ الدجوي بدرس التفسير بالجمع الأزهر عام 1360هـ

ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحث جسمى من أراد جلوس

فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

قلت : وهذا الكلام ينطبق على طريقة شيخنا الشفا رضي اله عنه وسيرته المرضية فلم يغلب يوما حاله مقاله ، ولا جلاله فعاله ، فيقع خسوف التخليط بل كان باطنه في مشاهدة واقتراب ، وظاهره على الكتاب وسنة النبي الأواب ، لم تدرك شمس نهاره قمر ليلة في عالم وراء الوراء ، ولم يغب عن الحضرتين عند تجلي الأسماء والصفات بل كان كما وصفه تلميذه ختم أهل العرفان حيث بين أوصافه بطريق الشهود والكشف غاية البيان فلا تنس يا أخانا مقام شيخ الأولياء والأخذ عن جده مفتاح السماوات والأرض بأوراد بها ثوب وارتقاء صاحب العلم النفيس السيد أحمد بن إدريس القائل لتلميذه الختم رضي الله تعالى عنهما : (وعليك يا أخانا بالإكثار من هاذ الذكر الذي اختصنا الله تعالى به من بين أوليائه (لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفناء في مراد الله تعالى

قال ابن الفارض رحمه الله تعالى :

فلم تهوني ما لم تكن في فانيا

ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي

قلت : الله تعالى أعلم بما أراده الناظم

ولكنني أقول فيه بحول الله تعالى وقوته على وفق ما يلهمني ربي سبحانه : الفناء في الحب الإلهي تقديم ما يريده الحق سبحانه على ما يريده المحب ، فنفسه تحب الحياة وربه يحب أن يقتل شهيداً ، فيقدم القتل في سبيل الله على الحياة

فلما أعرض عن أوامر نفسه إعراضاً نهائياً كأنه أفناها وأعدمها ، والفاء للسببية . فكأنه يقول : كن فانيا بسبب تقديم أوامر الله ورغباته على أوامر نفسك ورغباتها . فكأنه أفناها بسبب ذلك

وهذا معنى كلام الشفا سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه (حتى لا أرى في وفي كل شئ وفي لا شئ إلا إياك) والمعنى حتى لا أرى في نفسي بسبب شهودي لربي إلا آثار قدرته ، وفي غيري وفي الفراغ أيضاً فإن كل شئ هو أثر لقدرة الله تعالى ، ولا تأثير لسواه

قال العارف السيد أحمد الدردير رضي الله تعالى عنه :

والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا

وعلى هذا المنوال يحمل كل ما أوهم من كلامهم رضي الله تعالى عنهم

تجلي الأفعال

وقوله : ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي

أشار إلى تجلي الأفعال وهو مشاهدة عنى قوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) ، فيرى صور الأعمال فيه وفي غيره صادرة عن الحق سبحانه وتعالى بقوله (كن فيكون) . فاجتلاء الصورة ظهور صورة العمل أنه صادر عن الحق سبحانه بمعنى أنه أثر القدرة الإلهية ، ولكل عمل عند الله تعالى صورة حاصلة قبل وجوده ، ومعنى ذلك أن علمه سبحانه وتعالى تعلق بها

قال سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه . (الأعمال صورة قائمة وحياتها سر وجود الإخلاص فيها)

قلت : العارف بالله تعالى تارة يتكلم بمقاله دون حاله فلا يحصل لبس ، وتارة يتكلم بحاله فيحصل لبس عند من يغلبهم التأويل

وقد وفقني ربي سبحانه في تأويل قول سيدي ابن الفارض في قوله : (فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى) بتشطير جيد قد تقدم ذكره

ولما رأى ابن الفارض الجمال المحمدي قال :

وأباح طرفي نظرة أملتها فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جماله وجلاله وغدا لسان الحال عني مخبرا

لو أن كل الحسن يكمل صورة ورآه كان مهللا ومكبرا

ثم قال رضي الله تعالى عنه بعد رؤيته للجمال المحمدي

بجمال حجبته بجلال هام واستعذب العذاب هناك

وفي هذا المعنى قيل إن يوسف عليه السلام أعطاه الله شطر الحسن ، والنسوة افتتن بجماله ، ونبينا r أعطاه الله الحسن كله والنسوة لم يفتتن به

والجواب عن ذلك : أن الله سبحانه كسا جمال سيدنا محمد r بجلال يرعد الأسد الضارية . وهذا معنى قوله (بجمال حجبته)

قوله r (وإنما وكل ابن آدم لمن رجى ابن آدم الخ)

التوكل تفويض الأمر للوكيل والرجاء تعلق القلب بما عند الوكيل فمن توكل على الله ورجا الله تعالى لم يكله الله إلى غيره في جميع الأمور ورحم الله تعالى القائل :

فوضت أمرى لخالقي وقلت لقلبي كفاك الجليل

يدبرني ولا علم لي وهو حسبي ونعم الوكيل

وما من رسول أو نبي أو ولي وقد توكل على الله تعالى ورجا الله تعالى

والوراثة المحمدية في التوكل على الله عند الصوفية

وتوكل الصوفية توكل ذوقي شهودي بالوراثة المحمدية

على سبيل قوله r : (عني أيها الناس فقد عصمني الله) وذلك لما نزل قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) وقول الخيل عليه السلام حين أرادوا إلقاءه في النار ، جاءه سيدنا جبريل عليه السلام فقال له : (هل لك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما إلى الله تعالى فعلمه بحالي يغني عن سؤالي) قال عليه الصلاة والسلام : (حسبي الله ونعم الوكيل دعوة أخي إبراهيم حين ألقى في النار) والتوكل على الله حسن حصينة ودرع واقية ، وبه تحصل للقلب أحوال عشر :

الأولى : الطمأنينة إلى الله تعالى

الثانية : سكون القلب إلى قضاء الله تعالى وقدره مع وجود حلاوة يدركها القلب عند حلول القضاء والقدر

الثالثة : جمع هم القلب بعد شتاته

الرابعة : حصول الشجاعة عند مقتضياتها

الخامسة : الثبات في مواقف الفرار

السادسة : عدم التفكر فيما سيقع في المستقبل

السابعة : عدم الحزن والخوف والجزع

الثامنة : عدم التوجه إلى الخلق بقلبه

التاسعة : الرضا بما حصل

العاشرة : خلو القلب من تعب الفكر والتدبير

والتوكل لا يمنع الأخذ في الأسباب ولا تنافي بينهما . قرأ الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر رضي الله تعالى عنه دراً بالجامع الأزهر جمع فيه بين التوكل والسعي فقال : قال رسول الله r (لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا) ثم قال : قال عليه الصلاة والسلام : (جعل رزقي تحت ظل رمحي)

وقال الله تعالى : (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) فانظر كيف جميع بين الأدلة وجعل المقصد واحداً حيث يقول : الأول فيه التوكل لقوله (لو توكلتم) وفيه السعي لقوله (تغدو وتروح) فالغدو والرواح سببان : (الأول سبب للرزق والثاني سبب للحفظ وأيضاً في قوله r (جعل رزقي تحت ظل رمحي) قال : والرمح إنما يحصل له ظل إذا تحرك وساربه حامله وقائل به ، ففي الحديث التوكل وهو حاله r ، والسعي وهو قوله (تحت رمحي)

وفي قوله تعالى (فامشوا في مناكبها) السعي وفي قوله تعالى (من رزقه) التوكل لتصديقه أن الرزق من الله تعالى . وإذا قرأ المؤمن بقلبه وروحه هذه الآية وملأ قلبه من نورها واطمأن إليها لابد أن يحصل على جانب عظيم من التوكل وهي قوله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله) لأنها تخاطب المؤمن بأروع خطاب حيث تلفت نظره إلى أن جميع النعم الحاصلة للإنسان مخلوقة لله ، والذي أعطاها للإنسان هو الله وحده ، ولا يستطيع أحد نزع شئ من هذه النعم ولذلك يكون متوكلا معتمداً على ربه في جميع أحواله وحركاته وسكناته وخطراته دائماً أبدا سرمدا حتى لا يخاف زوال شئ من شئ متوكلا مستسلما للذي (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) فإذا كان كذلك لم يكله الحق سبحانه إلى أحد سواه ، وقد أشار الحديث النبوي إلى هذا المعنى أيضا (اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته)

(وتاء) : التوكل تسليم فلابد أن يسلم أمره كله لله تعالى كما قال شاعرهم :

ومن الدلائل أن تراه مسلماً كل الأمور إلى المليك العادل

ومن الدلائل حزنه ونحيبه جوف الظلام وما له من عازل

(وواوه) : ولاية الله (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) المتوكلين على ربهم تولى الله أمرهم ، فلم يكلهم إلى أنفسهم ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين ، بل عاملهم وفق عقيدتهم فيه سبحانه ، فلما اعتقدوا فيه أنه وليهم وناصرهم حقق لهم ذلك

وفي الحديث (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك)

(وكافة) : كفاية من الله تعالى حتى لا يحتاج إلى سواه في ظاهر أمره وخافيه

يحكي أن رجلا من العارفين كان نائما تحت ظل شجرة في صحراء فرأى بعض العارفين ضفدعا خرج من نهر صغير ، ثم جاء عقرب ، فحمله هذا الضفدع وذهب به فوق النهر إلى جهة الشرق التي فيها ذلك الرجل النائم تحت الشجرة ، وإذا ثعبان عظيم جاء قاصدا ذلك الرجل ، فقابله العقرب فلدغه فمات ، ثم رجع العقرب وحمله الضفدع ورجع به إلى مكانه

وكان العارف قد قطع النهر لينظر ما يصنع العقرب والضفدع ، فشاهد هذه الأعجوبة ، ثم جلس بجوار العارف النائم حتى استيقظ من منامه ، فوجد بجواره ثعباناً عظيما ميتا فأدهش منه ، فقال له الذي هو جالس بجواره من أنت ؟ قال عبد متوكل على ربه فقال له صدقت ثم أنشده قول الشاعر :

وإذا العناية لاحظتك عيونها

نم فالمخاوف كلها أمان

فاصطد بها العنفاء فهي حبائل

واقتد بها الجوزاء فهي عنان

(واللام) : (لهم ما يشاءون عند ربهم) بسبب توكلهم على ربهم وذلك في الدنيا والآخرة . قال سلطان العاشقين ابن الفارض رحمه الله تعالى :

فنلت مرادي فوق ما كنت راجيا

وهكذا حال من توكل على الله وحده لا شريك له واعتمد عليه وفوض أمره إليه . قال الله تعالى حكاية عن سيدنا موسى بن عمران على نبينا وعليه الصلاة والسلام : (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) فأعطاه الله ما شاء وفق ما شاء ، لأنه شاء النجاة والتمسها فسخر له البحر وجعل له فيه طريقا يبسا ، وأغرق أعداءه أجمعين ، وورثه ومن معه متاعهم وديارهم ، وهكذا شأن من يتوكل على رب العالمين ، والتوكل توجه روحاني عظيم إلى رب عظيم . وبه يكون مكرما عند به (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) لأنه بسبب توكله يتولى الله أمره ، ولا يكله إلى أحد غيره ، وبهذه الولاية الإلهية يكون في منتهى التكريم

ألا ترى أنه إذا كان في البحر في سفينة لا يكون مطمئن القلب هادئ البال إلا بتوكله على ربه ، فالمؤمن ينسى نفسه ويبرأ من حوله وقوته إلى حول ربه وقوته ، ذاكرا قول خالقه سبحانه (هو الذي يسيركم في البر والبحر)

وأما الكافر فلا يعرف ربه ولا يذكره ولا يعتمد إلا على نفسه وحوله وقوته (وكان الكافر على ربه ظهيرا) (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)

خلق الله تعالى الإنسان ليتوكل عليه ، فإذا نسى التوكل على الله تعالى فقد نسي الخير كله ، ثم ينسى نفسه أي نجاتها فيهلك ، لأن المتوكل على الله يدافع الله تعالى عنه ، ومن كان كذلك فلا غالب له (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) والذين آمنوا هم الذين توكلوا على الله

ولما قال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (حسبنا الله ونعم الوكيل) كفاءهم الله شر عدوهم وآمن خوفهم ورزقهم من فضله ورضي عنهم وهكذا حال من يتوكل على الله رب العالمين

وكان الفراغ من شرح هذا الحديث بعد عصر يوم السبت الموافق سنة 1380هـ بالجامع الأزهر الشريف

اللهم ارض عن القطب النفيس

مولانا السيد أحمد بن إدريس

الفصل الحادي والعشرون :

خطاب سيدي أحمد بن إدريس إلى سيدي الميرغني رضي الله تعالى عنهما

قال شيخنا خزينة العطايا الإلهية والإمدادات المحمدية سيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه وعنا آمين : وجدت خطاباً مخطوطاً عن أخ لنا في الله قد أرسله سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه إلى تلميذ له ببلدة كردفان بأرض السودان، فأحببت ذكره في هذه المناقب لما فيه من الفوائد التي سأشرح بعضها إن شاء الله تعالى

كتب صاحب الدر الغوالي والد سيدي عبد العالي ببنائه الذي طالما سطر من بيان إلى بلده تشرف أهلها بخطابه حتى الآن ، والمرسل إليه الخطاب هو السيد الختم الميرغني رضي الله تعالى عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله ، من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه عثمان بن أبي بكر ، بل منا وإلينا والسلام علينا ورحمة الله وبركاته من جميع جهاتنا يعمنا

أما بعد : وصلنا كتابكم بمكة أعزها الله تعالى فجاء إلينا الكتاب في اليوم السادس من محرم عام خمس وثلاثين ومائتين وألف فحمدنا الله تعالى على عافيتكم فلنا سنة كاملة في مكة . فدخلنا مكة عام أربع وثلاثين ومائتين وألف حضرنا حجة الجمعة فانتظرنا قدومك في هذه السنة فلم تحضر . وقد أذن لنا بالقدوم إلى مكة فقدمنا خير مقدم فالعجل العجل بالحضور كيف ما أمكن فقد حان وقت حضوركم ولكم البشرى بحصول مقصودكم . فهلم ثم هلم إلى أرض الحرم المقدسة التي هي من أول جمع على التقوى مؤسسة ، أن هلم إلى الخيرات والنور والبركات ، أن هلم إلى الأسرار والحضرة المحفوفة بالأنوار

أن هلم إلى سرك واتصالك بربك ، أن هلم إلى قدسك وزوال همك وعكسك ، أن هلم إلى عرسك الذي يملؤك فرحاً من فرشك إلى عرشك ، أن هلم إلى السر المكنون الذي هو من الله كن فيكون ، أن هلم إلى شرح صدرك الذي يضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ويرفع لك ذكرك أن هلم إلى كوثر النور المحفوف بالأفراح والسرور ، أن هلم إلى رفع القدر الذي ليس معه شر . أن هلم إلى الوعد الصادق الذي هو من جميع الجهات بالنور دافق ، أن هلم إلى الوعد الذي لا يخلف ، والسر الذي لا يكشف ، فحدد نظرك واشحذ فؤادك ، واعزم بكليتك ولا تترك وراءك جزء من جزئياتك ، اقبل فقد جاء ، وعد النصر والسرور ، وهو قوله r (نصرت بالصبا وهلكت عاد بالدبور)

والسلام منا ورحمة الله وبركاته على الأخ الصادق العربي الخطيب وله البشارة بما يرجوه من القريب المجيب ، فعن قريب إن شاء الله يأتيه ما يسره فيقول يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا . والسلام منا على كافة الإخوان وعلى من لاذ بكم وانتسب إليكم مدى الأزمان . وولدكم المبارك محمد بخير وأخته التي زادت بعدكم فاطمة بخير وأمهم كذلك . والسلام عليكم وعلى من تعلق بكم من إنس وجان . ونسأل الله أ، يجمعنا وإياكم جمعاً لا فرق فيه في أعلى حضرات الرحمن المصونة من كل عائق وقاطع وشيطان إنه جواد حنان منان ، لا إله إلا هو إليه الإنابة وعليه المعول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الفصل الرابع والعشرون :

قصة السيد عبد العالي مع الشيخ عبد الله كلمسيد رضي الله تعالى عنه

بلغني أن السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه كتبوا عنه في تفسيره لآية واحدة في سورة الأحزاب سبعين كراساً وهي قوله تعالى (إن المسلمين والمسلمات) مكث ثلاثة أيام يفسر قوله تعالى (والذي قدر فهدى) من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس ، فلما تعجبوا من ذلك قال لهم : لو مكثت معكم ما لبث نوح في قومه لأتيتكم كل يوم بتفسير جديد

وحصل مثل ذلك لابنه سيدي عبد العالي وذلك أنه لما قدم إلى بلده دنقلا العرضي بشمال السودان كان يقرأ دروساً بالليل وبالنهار

وقد أخبرني بعض أهل العلم من تلك البلدة أن السيد كان يقرأ تفسير القرآن بطريقة المغاربة ، والذي يقرأ له الآيات الشيخ عبد الله كلمسيد الدنقلاوي المشهور رحمه الله تعالى ، وكان السيد يفسر في قوله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا) فقرأ الشيخ للسيد ، الآية وفسرها السيد وقال بعض العلماء للشيخ كلمسيد : إذا جئت في غد فلا تقرأ الآية الثانية ولكن اقرأ هذه الآية التي فسرها السيد لننظر هل يستطيع أن يأتي بتفسير جديد ؟ فلما جاء اليوم الثاني قرأ الشيخ كلمسيد الآية الأولى ففسرها السيد بتفسير غير الأول وأبدع فيه الغاية . ولما جاء اليوم الثالث قرأ السيد الآية بنفسه وأتى فيها بتفسير جديد وأبدع فيها غاية الإبداع . فقبل الشيخ كملسيد يده وصار يبكي . فقال له السيد ما يبكيك يا أخانا الشيخ عبد الله ؟ قال : يا سيدي أبكي لأنك جئت بلادنا وأنا شائب وكنت أتمنى أن أكون شاباً قوياً لأتلقى هذا العلم . فقال السيد له : لوم لبثت فيكم ما لبث نوح في قومه لأتيتكم كل يوم بتفسير جديد

تفسير قوله تعالى (والذي قدر فهدى) للعارف بالله تعالى

وقد وقفت على هذا الباب متطفلاً وطفيلي الكرام يكرم . فأقول بفضل الله تعالى : (والذي قدر فهدى) من بحر جواهر معانيها . والذي قدر لك في الأزل أن تكون مسلماً فهداك للإسلام وهذه نعمة من أعظم النعم وأجلها . قال سيدنا على كرم الله تعالى وجهه ورضي الله تعالى عنه : (فلك الحمد على ما جعلتني من أمة محمد r وهو أفضل النبيين دعوة وأفضلهم شفاعة وأقربهم منزلة) أي قدرت لي ذلك ثم هديتني إليه

والذي : قدر لك العلم فهداك إلى طلبه وتحصيله حتى صرت عالما

والذي : قدر لك الولاية فهداك إلى منشورها وهو الذكر

والذي : قدر لك شيخا عارفا يرشدك فهداك إليه

والذي : قدر لك التجارة فألهم قلبك حبها وهداك إليها حتى صرت تاجرا

والذي : قدر فلانة زوجا لك فهداك إليها فتزوجت بها فولدت لك ما شاء الله أن تلد

والذي : قدر لك المصيبة وألهمك الصبر وهداك إليه لتنال صلوات من ربك ورحمة وهداية

والذي : قدر لك الحج فهذاك إلى السفر في العام الذي أجله لك والذي قدر لك الصلوات فهداك إليها

والذي : قدر لك المكان الذي تصلي فيه وهداك إليه

والذي : قدر لك الصوم وهداك إليه فصمت في الأعوام التي شاءها والأماكن التي أرادها لك

والذي : قدر لك المعصية فهداك إلى التوبة فتبت لتنال مغفرته

والذي : قدر لك التخلي فهداك إلى البعد عن الشهوات والضلالات

والذي : قدر لك الإحسان فهداك إلى الإنفاق مما أعطاك الله من العلم والمال

والذي : قدر لك المرض فهداك إلى الدواء فتداويت وشفيت لتعالج ما أنزل من داء بما أنزل من دواء

والذي : قدر لك الوصل فهداك إلى الآداب اللازمة

والذي : أشعل في قلبك سرج الحب الإلهي والحب المحمدي فهداك إلى زيت تسريجها

والذي : قدر فتح مسامع القلوب بمفاتيح أسرار الغيوب فهداك إليها

والذي : قدر لروحك إلهام معرفة (كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان) فهداك إلى معرفة ذلك بالوقوف على ساحل بحر (كل من عليها فان) ليدرك الموصوف لاحق وصف سابقه

والذي : قدر لك غاية المشاهدة فهداك إلى الغيبة فيها عن مشاهدة ما سوى المشهود

والذي : قدر لك شراب كئوس حلاوة مناجاته فهداك إلى القيام بالأسحار والذي قدر لك تنزلات غيوث أسرار معارف جواهر آياته فقدر لك التدبير فيها لتتعرض إلى وابل غيثها

والذي : قدر لك التغذي من معاني موائد بركاته سور كتابه فهداك إلى الدخول في سور موائد سوره وكلماته

والذي : قدر للمعاني أن تكون مختلفة الأذواق والمرامي فهداك إلى تمييز غرائب بدائع أسرارها

والذي : وعدك بالدخول في حضرة سلطان حضراته فهداك إلى كثرة الصلاة والسلام عليه لتكون من أهل بركاته ونفحاته

والذي : قدر لك الفيض من جلال قهر جبروته فهداك إلى الابتهال لتنزل ألطافه وبسطه وعناياته

والذي : قدر لك الدخول فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهداك إلى معرفة ما لم تكن تعرف وعلم ما لم تكن تعلم وسماع ما لم تكن تسمع على بساط قربه وأنسه في حظية مناجاته وقدسه

والذي : فتح باب الخيرات والبركات فهداك إلى اغتنامها

والذي : قدر للأرواح الشوق حتى كادت أن تطير من عالم أجسادها فهداك إلى الصبر (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)

والذي : قدر لهم الغرق في بحر الحب الإلهي فهداهم إلى التمسك بأنوار الشرع المحمدي فحملهم على سفينة النجاة وهي تجري بهم في بحر حقائق دقائق إذا تقرب إلى العبد شبرا تقربت إليه ذراعا

بسم الله مجريها بالاقتداء المحمدي ومرساها بالوقوف عن درك الإدراك مع مشاهدة المخاطب (بلولاك لولاك ما خلقت الأفلاك) ، ليتم شهودك به كما قد تم إسلامك بلا إله إلا الله محمد رسول الله

إلهامات صوفية لقوله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجا)

(تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا) من بحر جواهر معاني بدائع هذه الآية ، جعل في سماء روحك بروجاً لشمس إسلامك وقمر إيمانك ، فبروج شمسك خمسة بني الإسلام على خمس ، ومن أجلها خمسك الصلاة عماد الدين فشمسك لمنافع جوارحك وقمرك لمنافع باطنك ، وقمرك مستمد من شمسك ، وشمسك تجري لمستقرها وهو برزخك ، وقمرك منازله تطورات عمرك فيزداد بزيادة شمسك وينقص بنقصها قمر المؤمن منتهاه كماله على نهج (خيركم من طال عمره وحسن عمله) والضعفاء في العمل كلما قل عملهم ضعفت شمسهم ، وكلما ضعف شمسهم ضعف قمرهم حتى عاد كالعرجون القديم

وفي غروب الشمس وخروجها بعد الغروب دليل على أن الله قادر على أن يعيد الإنسان بعد دفنه حياً كما كان (كما بدأكم تعودون) وقد قال تعالى في وصف الشمس (سراجا) وفي وصف القمر : (منيرا) قال تعالى . (وجعلنا سراجا وهاجا) (وقمرا منيرا) وقد جمع الله تعالى هذين الوصفين لنبيه r في قوله (وسراجا منيرا) فهو r شمس الشريعة وقمر الحقيقة

ولما كانت الشمس واحدة وترى في جميع العالم كذلك سراج القلوب يرى للقلوب في جميع الأقطار . فمن كانوا في نهار أنوار أعمالهم رأوه شمسا ومن كانوا في ظلمة معاصيهم رأوه قمرا ، فما من قلب مسلم إلا وله منازل فيه على حسب الحب والإيمان ، وفي الحديث (لا إيمان لمن لا محبة له)

ويعجبني جواب لرجل تكروني ختمي قال بعض الناس إن شيخكم الميرغني يقول : (وأخبرني أنه يحضر في قراءته) فلوا فرضنا أن المولد قرئ في بلاد كثيرة في ليلة واحدة فكيف يكون الحضور ؟ فقال التكروني كحضور الشمس فإنها واحدة وتحضر في كل مكان

وقد أجاد هذا التكروني في هذا الجواب وأحسن وما أظنه غلا من قبيل الإلهام . وكما جعل الله لوجود الشمس والقمر منافع حسية ومعنوية كذلك ظهوره r فيه منافع حسية أشار إليها القرآن العظيم إجمالاً وتفصيلاً ن فالإجمالي منه منافع حسية أشار إليها القرآن العظيم إجمالاً وتفصيلاً ، فالإجمالي منه قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) والرحمة حسية ومعنوية والعالمون ما سوى الله تعالى فهو r رحمة إلى جميع خلق الله حتى الكفار ، إذ به r رفع الخف ونزول الحاصب من السماء والغرق وغير ذلك ، وهذه الرحمة لا تزال مستمرة إلى ما شاء الله . وبه r أعطى الله المؤمنين العزة حيث يقول سبحانه وتعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فذكره وحده r لرفعة ذكره وعلو شأنه وعطف عليه أتباعه المؤمنين لأنه السبب في عزتهم . وكذلك صلاته عليهم في كل حين من الأحيان سكن لهم (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) أي رحمة وطمأنينة

ومادامت الشمس فالخلق ينتفعون بها وما دام السراج المنير r فالمسلمون ينتفعون بصلاته عليهم . والشمس تنفع البدن بحرارتها وتذهب ضرر الرطوبة ، وذلك لمن توجه إليها واستقبلها شتاء ، كذلك يحصل النفع الروحاني ويذهب الضرر النفساني ممن استقبله r بالمحبة والصلاة والسلام عليه

علاج لمل ما يصيب الإنسان في حياته

يقول سيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه

فائدة مجربة إذا أظلمت نفسك أو قسا قلبك وضاق صدرك وغاب رشدك وأظلمت أنوارك وكثرت أوزارك فوجه قلبك إلى رحمة الله للعالمين r بحب وشوق مصلياً ومسلماً عليه مادحاً باكياً فبإذن الله تعالى تنقلب ظلمة نفسك نوراً ن وقسوة قلبك لينا ، وضيق صدرك انشراحاً وكثرة أوزارك توبة تعقبها مغفرة ، وعند ذلك يهدأ بالك ، وينصلح حالك ويكثر سرورك وحبورك وتذهب همومك ، وتزداد علومك ، ويزداد نشاطك في الطاعات ويمحى هجومك على المخالفات ، ويقوى إسلامك ، ويزداد إيمانك ، وتنقضي الحاجات ، وتنصلح النيات ، وتفتح أبواب سعادتك ، وتقفل أبواب شقاوتك . فجرب تجد فإذا ظفرت فزد . وقد جعل الله في السماء بروجاً ، ولكن جعل السماوات كلها بروجاً له r حيث شرفت كل سماء بشمسه المنيرة البهية إلى ما فوق السماء السابعة

واعلم يا أخانا في الله تعالى ما أمليه عليك واسمعه مني بأذن واعية لعلك ترشد وتهدى إلى الصراط المستقيم . واعلم أنه r نور لا كالأنوار بل يفوق جميع الأنوار التي خلقها الله تعالى ، فلو حل أي رسول أو أي ملك أو شمس أو قمر في المكان الذي كان فيه ليلة المعراج لاحترق . دليلنا هنا قول سيدنا جبريل عليه السلام : (لو تقدمت خطوة لاحترقت بالأنوار) فهو الشمس التي منها الشموس والقمر الذي منه الأقمار

شرح حديث (حسين منى ......)

سيدي الشيخ صالح الجعفري قال r : (حسين مني وأنا من حسين)

واعلم يا أخانا في الله تعالى هذا المعنى الغريب العجيب بفتح الله القريب المجيد هذا الحديث يفسره قوله r (كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وطهري)

اعلم أن الشمس لها شعاع متصل بها لا ينفصل عنها إذ لو انفصل عنها لأظلم ، فالنبي r هو الشمس وذريته هم الشعاع فمعنى حسين مني أي نور شع مني ، ومعنى وأنا من حسين يعني وأنا متصل بالحسين كاتصال الشمس بشعاعها ، كأنه r يقول : ذريتي ليست كذريتكم ، فإنها منفصلة عنكم ولكنني نور وذريتي نور فهي لا تنفصل عني بل تكون متصلة بي إلى الأبد كاتصال الشمس بشعاعها . ولذلك عندي أن الشريف المنسب يستحيل عليه الكفر لأنه شعاع متصل بالشمس فما دامت منيرة دام الشعاع منيرا ، ومن استقبل الشعاع لو رفع رأسه لرأى الشمس فوق الشعاع . وفي ذلك إشارات لأهل الإشارات وعبارات لأهل العبارات ، ولا اراها إلا أذواقاً جفت أورقا ، ومشاهدات لأرباب العنايات وتنيمهم شرب لأهل الحب والقرب فلا تكن عن قولي لاهيا ، ولا عن ما أشرت لك به ساهياً ، فإنما الولايات بالعنايات ، والإمداد على قدر الاستعداد

قال البوصير – رحمه الله – مادحا خير خلق الله r :

فإنه شمس هم كواكبها يظهرن أنوارها للناس في الظلم

فهو r فضل الله بين خلق الله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) فعلي قدر توجهك لهذا الفضل ينهل عليك من سحاب غيثه ما شاء الله لك فهيئ نفسك لتنزلات فضل ربك ومننه وفضله ورحمته وشمسه وسراجه وبشيره ونذيره ونبيه ورسوله وشاهده وحبيبه وصفيه ومنتقاه ومصطفاه . ونوره في سائر الأقطار والبراري جامع المعارف والعلوم والأسرارا والعلوم ممد الكل من مادة (أوتيت جوامع الكلم) r

بعض من خصوصياته r

والشمس والقمر لا ظل لهما وكذلك المصطفى r لا ظل له لأمور

الأول : خشية أ، تطأه الأقدام فإذا كان ظله يحترم وتخرق من أجله العادة فكيف بذاته r ؟

الثاني : الكفر معلق بأي ازدراء أو إهانة توجه إليه r أو إلى أي شئ يتعلق به r فلو فرض أن له r ظلاً لحرم وطؤه بالأقدام ومن تعمده كفر ، كذلك المكان الذي جلس فيه r إذا تعمد إنسان البول فيه كفر ، ولذلك أمر r أن يقسم شعر رأيه بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فكان من وصلت إليه شعرة أو شعرتان كانتا أحب إليه من الدنيا وما فيها كما رواه البخاري

وروي البخاري (وما تنخم رسول الله r نخامة إلا سقطت في كف أحدهم ، فيدلك بها وجهه وجلده ، وإذا توضأ كادوا أن يقتتلوا على وضوئه)

قال شارح البخاري القسطلاني رحمه الله تعالى : يفعلون ذلك تبركا بآثاره r " وأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يضع يده على منبر النبي r ويمسح وجهه" والتبرك بآثاره r ثابت في البخاري وغيره كالتبرك بجبته r وبعرقه r ، ولما رأى r الصحابية أم سليم رضي الله تعالى عنها تأخذ عرقه الشريف وتضعه في زجاجة قال لها ما هذا ؟ قالت له r : نصلح به طيبنا ونبرك به صبياننا رواه البخاري ، فأقرها r على ما قال : والصحابية شربت بوله r فوجدته أبرد من الثلج وأزكى من المسك وأحلى من العسل فبشرها r أن النار لا تلج بطنها ، وتفل r في عيني سيدنا على رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه فعادتا أحسن مما كانتا في الحين . وبصق في عيني قتادة رضي الله تعالى عنه وردها فعادت أحسن مما كانت لا تركد إذا رمدت الأخرى . ورد ذراع الذي قتل أبا جهل وبصق فيه فعاد سليما

قال البوصيري رحمه الله تعالى :

كم أبرأت وصبا باللمس راحته وأطقلت أربا من ربقه اللمم

وقلت بفضل ربي :

وريقه قد شفا من كان ذا رمد وبارك الرشح صبيانا بذي حرم

وأصلح الطيب والأصحاب قد دلكو بريقه جلدهم حفظا من السقم

وشعره كان عند الصحب تحمله حرزا وحبا لعالي القدر والهمم

الأمر الثالث : كونه r لا ظل له إشاره إلى أنه نور r

قال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) وقال تعالى (وسراجا منيرا)

وفي الحديث (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) أخرجه الحافظ عبد الرازق رحمه الله تعالى في مسنده ونقله القسطلاني رحمه الله تعالى في المواهب اللدنية ، ونقله النبهاني رحمه الله تعالى في الأنوار المحمدية

وإليك كلام شيخ الإسلام الباجوري رحمه الله على مولد أبي البركات سيدي أحمد الدردير رضي الله عنه قوله : " قبض الله قبضة من نوره أي من نور خلقه الله تعالى ، لأن نور الذات يستحيل عليه أن يقبض أو أن يخلق منه شئ " والشمس حارة والقمر بارد . وكان r من أشد الناس غضباً إذا انتهكت حرمات الله . وكان r من أحلم خلق الله وأصبرهم حتى شهد الله تعالى بذلك بقوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) والشمس والقمر عشرة أحرف ومحمد وأحمد مع التنوين عشرة أحرف قال الله تعالى (وليال عشر) وأشمس نهارهما بشمسه وأقمر ليلهما بقمره وللشمس وقت يسمى الضحى مسبوق بنوره ، وبعده ضوء الظهيرة

فالمصطفى r كنوز الضحى الذي لم يسبقه ظلام ولا يلحقه ظلام إشارة إلى أنه r معصوم قبل النبوة وبعدها

عصمة النبي r قبل النبوة وبعدها

(مسألة) واعلم يا أخانا في الله يا من وفقه الله أنه r معصوم قبل النبوة وبعدها عن الصغائر والكبائر وكيف لا يكون كذلك وقد قال r : (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فهذا الحديث أعظم دليل على العصمة قبل النبوة وبعدها

إن المربي يغفل عن مربيه فيقع في الخطأ والله تعالى ليس كذلك . ومن أدبه له وترتبيه أن شرح صدره عند الطفولة ليتلقى عهد الطفولة بعزة وكرامة واستعداد ، فكان r من أحسن الأطفال أدبا وعقلا وكمالا

ولما بلغ عهد البلوغ شق صدره الشريف أيضاً ليستقبل عهد الرجولة فكان r من أكمل الرجال حتى لقب بالأمين

وعند تمام الأربعين شق صدره الشريف r لأجل الإسراء والمعراج . فهو r معصوم مدة حياته كلها محوط بعناية ربه وحفظه مستعد للخيرات والبركات والكمالات ، وعلماء النفس يقولون : الإنسان به غرائز للخير وغرائز للشر






رد مع اقتباس
قديم 08-28-2015, 12:47 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الفقيرة الشاذلية
ضيف

إحصائية العضو



 

 


كاتب الموضوع : البدوي المنتدى : رواق الواردات واﻹلهامات الصوفية
افتراضي

بارك الله فيك اخونا الكريم على هذا الطرح القيم موضوع ممتاز ونتمنى منكم المزيد ان شاء الله
جزاكم الله كل خير وجمعة مباركة باذن الله تعالى
الفاتحة







رد مع اقتباس
قديم 03-22-2016, 10:25 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو

إحصائية العضو





 

taha2013 غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : البدوي المنتدى : رواق الواردات واﻹلهامات الصوفية
افتراضي

بارك الله فيكم وجعلها في ميزان حسناتكم







رد مع اقتباس
قديم 12-20-2016, 08:52 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
محمد حسن ابو مازن
ضيف

إحصائية العضو



 

 


كاتب الموضوع : البدوي المنتدى : رواق الواردات واﻹلهامات الصوفية
افتراضي مبدع الدنيا اجمل

إذا ما رأيت الله في الكل فاعلا رأيت جميع العالمين ملاحا
اقرب معنى قرأته لتفسير( ان تعبد الله كأنك تراه )
فمن رأى جمال الدنيا وملاحتها فتعلم ان مبدعها اجمل
جزاك الله خيرا نقلتنا وقربتنا من مقام المشاهدة ونسأل الله ان نبقى معتكفين في الحضرة







رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
شرح, حكمة, الشيخ, الجعفري, الله, رضي, عنه, تعالى, صالح, صوفية, لسيدي

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بالفيديو..انطلاق مسيرة للطرق الصوفية من "الجعفرى" إلى "الحسين" احتفالا بالعام الهجرى البدوي رواق المرئيات والصوتيات 0 10-17-2015 06:57 AM
الشفا بتعريف حقوق المصطفى البدوي رواق المكتبة 0 09-20-2015 06:44 AM
سير اعلام النبلاء الصحابة رضوان الله عليهم البدوي رواق آل البيت والصحابة والتابعين 2 09-15-2015 02:46 PM
حزب الحراسه..........للإمام الشاذلي رضي الله تعالي عنه البدوي رواق الطريقة الشاذلية 1 08-31-2015 01:29 PM
حصن الأمان سيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله عنه الدسوقى الطرق الصوفية الاخرى 0 08-23-2015 07:26 AM


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
  تصميم علاء الفاتك
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 12 13 14 16 17 18 19 20 21 22 23 24 26 27 28 29 30 31 34 35 36 37 38 39 41 42 43 44 46 53 54 57 58 59 62 63 64 66 67 70 71 72 73 74 75 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95